الياس شوفاني
346
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
مطلقة في بلاد الشام . فأعلن الأحكام العرفية ، وألغى مجالس الولايات والمحاكم المدنية ، وأبطل الاستقلال الذاتي لجبل لبنان ، والامتيازات التي أعطيت للطوائف الدينية المتعددة بحسب الاتفاقات مع الدول الأوروبية . وانتهز حالة التململ العامة لقمع الحركة الوطنية والتنكيل بقياداتها ، وعمل على مكافحة النشاط السياسي والثقافي العربي ، وسعى لفرض التتريك بالقوة . واشتدت أعمال القمع بالتوازي مع تصاعد التذمر بين قطاعات السكان الواسعة ، وخصوصا بعد تجاهلهم دعوة السلطان إلى الجهاد ، بل مقاومة التجنيد ، والفرار من الخدمة وأعمال السخرة . وراحت ردات الفعل العنيفة تندلع بصورة عفوية على سياسة جمال باشا ، وسلوك جيشه ، وما يقوم به من أعمال السلب والاعتداء على السكان وحرماتهم ، ومصادرة محاصيلهم وأملاكهم ومواشيهم ودوابهم ، وقطع أشجار بساتينهم وكرومهم . وعلى أرضية النزعات الاستقلالية لدى سكان الولايات العربية في السلطنة العثمانية ، والتناقضات التي برزت بين الحركتين القوميتين - العربية والتركية - جاءت الحرب لتزيد في تفاقم العداء العربي للحكم العثماني . وإزاء ردات الفعل العفوية العنيفة ضد سلوك الجيش التركي ، شدّد جمال باشا من إجراءاته القمعية على السكان ، فدخلت العلاقة بينهما في لولب متصاعد من احتدام التناقض وارتفاع حدة المواجهة . واضطر جمال باشا إلى فرز نصف جيشه لقمع المقاومة المحلية . لكن جزءا كبيرا من وحدات ذلك الجيش كانت من أبناء الولايات العربية - أكراد وعراقيين وسوريين - لم يلبثوا أن انحازوا إلى مواطنيهم . فبرزت الاتجاهات المعارضة للحرب داخل الجيش ، وبالتالي اتساع نطاق ظاهرة الفرار منه ، والتقاعس عن القيام بالمهمات ، وصولا إلى التمرد . ففي سنة 1915 م وقعت تظاهرات في المدن السورية والعراقية ( النجف وكربلاء ) . وفي سنة 1916 م انتفضت حامية الموصل ، التي كان أفرادها من العرب ، كما نشطت مفارز مسلحة بالعمل ضد الجيش التركي في جبل العرب ( الدروز ) ، وشمالي لبنان ودمشق . وراح هذا الوضع يتطور نحو « الثورة العربية الكبرى » . أ ) المشاركة العربية في الحرب في بداية الحرب ، انقسمت الحركة القومية العربية بين معاد للدول الأوروبية ، وبالتالي منحاز إلى السلطنة العثمانية ، على أمل الحصول منها على الاستقلال بعد الحرب ، وبين معاد للسلطنة ، منحاز إلى الدول الأوروبية ، على أمل تحقيق الاستقلال بمساعدتها بعد الحرب أيضا . لكن هذا الانقسام تلاشى خلال الأعوام